ابن تيمية

34

مجموعة الرسائل والمسائل

يعني بالقديم أنه بدأ من الله وأنه غير مخلوق ، وهذا المعنى صحيح لكن الذين نازعوا هل هو قديم أو قديم لم يعنوا هذا المعنى ، فمن قال لهم إنه قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحاً لكنه جاهل بمقاصد الناس مضل لمن خاطبه بهذا الكلام مبتدع في الشرع واللغة . ثم كثير من هؤلاء يقولون أن الحروف القديمة والأصوات ليست هي الأصوات المسموعة من القراء ولا المداد الذي في المصحف ومنهم من يقول بل الأصوات المسموعة من القراء هو الصوت القديم ، ومنهم من يقول بل يسمع من القارئ شيئان الصوت القديم وهو ما لا بد منه في وجود الكلام والصوت المحدث وهو ما زاد على ذلك ، وهؤلاء يقولون المداد الذي في المصحف مخلوق لكن الحروف القديمة ليست هي المداد بل الأشكال والمقادير التي تظهر بالمداد ، وقد تنقش في حجر وقد تخرق في ورق ، ومنهم من يمنع أن يقال في المداد أنه قديم أو مخلوق ، وقد يقول لا أمنع عن ذلك بل أعلم أنه مخلوق لكن أسد باب الخوض في هذا ، وهو مع هذا من يتكلم بالحق ومن يبين الصواب الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة مع موافقته لصريح المعقول ، ومع دفعه للشناعات التي يشنع بها بعضهم على بعض ، وخوض الناس وتنازعهم في هذا الباب كثير قد بسطناه في مواضع ، وإنما المقصود هنا ذكر قول مختصر جامع يبين الأقوال السديدة التي دل عليها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة في مسألة الكلام ، التي حيرت عقول الأنام ، والله تعالى أعلم .